« ليس من الممكن تغيير وضع المرأة تغييرا جذريا إلا إذا تم تغيير جميع الشروط الاجتماعية والعائلة والحياة المنزلية» (تروتسكي، النساء والعائلة، ص 45)
لقد وصلت الرأسمالية إلى الباب المسدود. وتنيخ أزمة الرأسمالية العالمية بثقلها، بحدة خاصة، على كاهل النساء والشباب. في القرن التاسع عشر أشار ماركس إلى ميل الرأسمالية إلى تحقيق أرباح فاحشة من خلال استغلال النساء والأطفال. وقد كتب في المجلد الأول لكتابه الرأسمال:
« شكل عمل النساء والأطفال، بالتالي، أول شيء بحث عنه الرأسماليون الذين استخدموا الآلات. هذه البدائل الجبارة للعمل والعمال تحولت فورا إلى وسائل من أجل زيادة عدد العمال الأجراء من خلال إدماج جميع أعضاء أسرة العامل، تحت السيطرة المباشرة للرأسمال، دون أي تمييز من حيث السن أو الجنس. لقد اغتصب العمل الإجباري لصالح الرأسمال المكان، ليس فقط من لعب الأطفال، بل أيضا من العمل الحر في المنزل ضمن حدود معتدلة لدعم الأسرة.» (كارل ماركس، الرأسمال، م 1، ص 394-395)
في البلدان الرأسمالية المتقدمة أدى تغير أنماط الإنتاج ومحاولة الرأسماليين الدائمة للرفع من معدل الربح، إلى التزايد المستمر لتشغيل النساء والشباب الذين يتعرضون لأسوء أنواع الاستغلال، ويعملون، مقابل أجور أقل، في ظل شروط سيئة بحقوق قليلة أو منعدمة. في أمريكا وحدها التحقت 40 مليون امرأة بالقوة العاملة خلال الخمسين سنة الماضية؛ أما في أوروبا فهناك 30 مليون امرأة أخرى. سنة 1950، كانت ثلث مجمل النساء الأمريكيات اللائي بلغن سن العمل فقط، يمارسن عملا مأجورا؛ أما في السنة الماضية [1999] فقد صارت النسبة ثلاثة أرباع تقريبا. وتقول الإحصائيات أن 99% من النساء الأمريكيات الآن سيشتغلن، في مرحلة معينة من حياتهن، مقابل أجرة. إن عمل النساء، في حد ذاته، تطور تقدمي. إنه الشرط المسبق لتحرر النساء من الحدود الضيقة للبيت والأسرة البورجوازية، ومن أجل تطورهن الكامل والحر ككائنات بشرية وعضوات في المجتمع.
لكن النظام الرأسمالي ينظر إلى النساء كمجرد مصدر سهل للعمل الرخيص وكجزء من "الجيش الاحتياطي للعمل" يتم سحبه متى كان هناك نقص في اليد العاملة في بعض قطاعات الإنتاج ونبذه مرة أخرى متى انتهت الحاجة إليه. رأينا هذا خلال كلتا الحربين العالميتين، عندما تم جر النساء إلى المصانع من أجل تعويض الرجال الذين تم استدعائهم إلى الجيش وبعد ذلك أعدن إلى منازلهن عندما انتهت الحرب. وقد تم تشجيع النساء مرة أخرى على الدخول إلى أماكن العمل خلال مرحلة الازدهار الرأسمالي، سنوات الخمسينات والستينات، عندما كان دورهن مشابها لدور العمال المهاجرين: خزان لليد العاملة الرخيصة. مؤخرا ارتفع عدد النساء العاملات من أجل ملء الثغرات في المسلسل الإنتاجي. لكن وبالرغم من كل الخطابات حول "عالم المرأة" و"سلطة الفتاة"، وبالرغم من جميع القوانين التي يزعمون أنها تضمن المساواة، تبقى النساء العاملات القسم الأكثر استغلالا واضطهادا داخل الطبقة العاملة.
في الماضي، كيّف المجتمع الطبقي النساء لكي تبقين غير مباليات سياسيا، وغير منظمات، وفوق كل شيء، سلبيات، وبذلك يوفرن قاعدة اجتماعية للرجعية. لقد ارتكزت البورجوازية على هذه الشريحة من أجل البقاء في السلطة، وذلك باستعمال خدمات المؤسسة الدينية والصحافة (المجلات "النسائية"، الخ.). لكن هذه الوضعية تتغير مع تغير دور المرأة في المجتمع. لم تعد النساء تقبلن، على الأقل في البلدان الرأسمالية المتقدمة، بأن تبقين غارقات في الجهل وتخضعن بسلبية للدور التقليدي للمؤسسة الدينية والمطبخ والأطفال ("Kirche, Kücher, Kinder"). إن هذه ظاهرة تقدمية جدا، حبلى بالنتائج المستقبلية. بنفس الطريقة التي فقدت بها الرأسمالية الاحتياطي الاجتماعي للردة الرجعية التي كانت تمتلكها بين الفلاحين في الولايات المتحدة، واليابان وأوروبا الغربية، فإن النساء لم تبقين بعد احتياطيا للتخلف والرجعية كما كن في الماضي. سوف تؤدي أزمة الرأسمالية، مع هجماتها المتواصلة على النساء والعائلة، إلى المزيد من تجذر شرائح متوسعة باستمرار من النساء وستدفع بهن في الاتجاه الثوري. من المهم أن يفهم الماركسيون الإمكانيات الثورية العظيمة التي تختزنها النساء وأن يتخذوا الخطوات الضرورية للوصول إليهن.
الإمكانيات الثورية لذا النساء أكثر مما هي لذا الرجال لأنهن مفعمات بالنشاط وغير ملوثات بسنوات الروتين المحافظ التي تميز غالبا الحياة النقابية "العادية". كل من سبق له أن شهد إضرابا للنساء يمكنه أن يحكي عن تصميمهن الصلب وشجاعتهن وحماستهن. إنها مهمة الماركسيين أن يدعموا كل الإجراءات الرامية إلى تشجيع النساء على الالتحاق بالنقابات والمشاركة فيها بحقوق متساوية ومسئوليات متساوية.
الأممية الأولى
لقد احتلت المسألة النسائية دائما مكانة مركزية في النظرية والممارسة الماركسيتين. لقد تبنت الأممية الأولى النضال من أجل الإصلاحات بمنتهى الجدية. سنورد فيما يلي استمارة لاستبيان ظروف العمل كتبها ماركس خلال نهاية شهر غشت 1866، وبعثها المجلس العام إلى جميع الفروع:
« 1) - القطاع الصناعي، الاسم. 2) - سن وجنس العامل(ة). 3) - عدد العمال. 4) - الرواتب والأجور؛ (أ) المتعلمين؛ (ب) الأجور باليوم أو العمل بالقطعة؛ المبلغ المدفوع من طرف الوسطاء. المتوسط الأسبوعي، السنوي. 5) - (أ) ساعات العمل في المصانع. (ب) ساعات العمل مع صغار المشغلين وفي الأعمال المنزلية، إذا كان العمل يتم في هذه الأنماط المختلفة. (د) العمل الليلي والعمل النهاري. 6) - أوقات الأكل والمعالجة. 7) - نوع الورشة والاكتظاظ أثناء العمل، عيوب التهوية، الحاجة إلى أشعة الشمس، استعمال ضوء الغاز، النظافة، الخ. - نوعية العمل. 9) – تأثير العمل على الصحة. 10) - الظروف الأخلاقية. التعليم. 11) - حالة المهنة: ما إذا كانت مهنة موسمية أو إلى حد ما موزعة بشكل منتظم على طول السنة، ما إذا كانت كثيرة التقلب، ما إذا كانت معرضة للمنافسة الخارجية، ما إذا كانت موجهة أساسا إلى الداخل أو الخارج، الخ. 3) - تحديد طول يوم العمل.
إن الشرط الأولي، الذي بدونه ستبقى جميع المحاولات لتحسين الظروف والتحرر عقيمة، هو تحديد طول يوم العمل.
هناك حاجة إلى تعويض الطاقة الصحية والجسدية للطبقة العاملة، أي الجسد العظيم لكل أمة، وكذلك لتمكينهم من فرصة التطور الثقافي والعلاقات الاجتماعية والنشاط الاجتماعي والسياسي.» (Minutes of the General Council of the First International 1864-1866, pp. 342-3)
لقد اقترحوا ثمانية ساعات كحد قانوني ليوم العمل. ألا يسمح بالعمل الليلي إلا في بعض المهن الاستثنائية أو فروع من مهن محددة في القانون. يجب أن يكون الاتجاه العام هو إلغاء كل أنواع العمل الليلي. وتواصل الوثيقة في القول: « تشير هذه الفقرة فقط إلى الأشخاص البالغين، رجالا ونساء، إلا أن هؤلاء الأخيرات يجب أن تستثنين بشكل تام من ممارسة جميع أشكال العمل الليلي أيا كان، وجميع أنواع العمل المضرة بجنسهن، أو تعريض أجسادهن للسموم وغيرها من الأعمال المؤذية. نعني بالأشخاص البالغين جميع الأشخاص الذين بلغوا أو تجاوزوا سن الثامنة عشرة. » (Ibid., p. 343.)
من المعروف أن ابنة ماركس إلينور لعبت دورا نشيطا في العمل بين صفوف النساء العاملات في "المهن المتعرقة" ("sweated trades") في الطرف الشرقي للندن. وقد اقترحت في مقالة صحفية حول "التعرق في مكاتب الطباعة" أن تتشكل وحدة بين كل من هؤلاء اللائي يطبعن في بيوتهن وبين اللائي يطبعن في الورشات حيث، كما كتبت، « إذا كنت تريد أن تعيش بعملك يتوجب عليك أن تعمل في ظل ضغط عال وطيلة عدد كبير جدا من الساعات، تفوق ثمانية ساعات يوميا» (Yvonne Kapp, Eleanor Marx, The Crowded Years, 1884-98, p. 364.) كم تبدو هذه الأسطر آنية بالرغم من مرور مائة عام على كتابتها!
لقد كان إضراب صانعات أعواد الثقاب في لندن، سنة 1888، نقطة انعطاف هامة، عندما ثارت هذه الشريحة الأكثر استغلالا وانسحاقا من الطبقة العاملة ضد مضطهديهن. كانت قوة العمل في مصنع بو (Bow) في الطرف الشرقي الفقير، مشكلة كلها من النساء، من فتيات في 13 سنة من عمرهن إلى أمهات ربات أسر كثيرة العدد. كانت الظروف البربرية للعمل هناك مشابهة لتلك التي يعانيها العمال في العالم الثالث الآن. كان استعمال الفسفور الأبيض في صنع أعواد الثقاب يسبب المرض الرهيب الذي يأكل عظام الفك، بسبب إجبارهن على أخذ طعامهن في الجو الملوث لمكان العمل. الأجور السيئة صارت أكثر سوءا بسبب نظام الاقتطاعات الجائر، التي كانت تفرض غالبا على أبسط الأخطاء، التي يتسبب الإرهاق في حدوثها. ونتيجة لتلك الاقتطاعات كان حاملو الأسهم يحصلون على إيرادات أرباح تزيد بـ 22%.
قامت 672 امرأة، بعد تغلبهن على مخاوفهن، بتنظيم إضراب خلال شهر يوليوز 1888. بعد أسبوعين من ذلك وبفضل دعم النقابات وتنظيم حملة جمعت مبلغا كبيرا يساوي 400 دولار، حصلت تلك النساء على تنازلات كبيرة. ونتيجة لذلك، نظمت تلك النساء الغير ماهرات نقابة صناع أعواد الثقاب، التي هي أكبر نقابة مشكلة من النساء والفتيات في إنجلترا. لقد كانت تلك خطوة عظيمة إلى الأمام لاندلاع حركة النقابية الجديدة ("New Unionism") في بريطانيا عندما، صار العمال الغير مهرة، لأول مرة، منظمين داخل النقابات. يقدم هذا دروسا هامة لمرحلتنا الحالية، حيث، وكما كان الحال قبل 100 سنة، صار عدد كبير من العمال الغير مهرة والنصف مهرة منظمين، ونسبة عالية منهم نساء.