marwan

عدد المساهمات: 58 تاريخ التسجيل: 04/09/2008
 | موضوع: الماركسية وتحرر النساء....الجزء الرابع الأربعاء سبتمبر 24, 2008 5:01 pm | |
| المرأة والبطالة
تعبر أزمة الرأسمالية عن نفسها من خلال وجود معدلات عالية من البطالة حتى خلال مراحل الازدهار. ويؤثر هذا الواقع على النساء والشباب بشكل أكثر حدة مما هو على باقي أعضاء المجتمع. معدلات البطالة بين صفوف النساء أكثر ارتفاعا من المتوسط. ولا تعكس هذه الأرقام الوضع الحقيقي بما أنها تقصي عددا كبيرا من النساء اللائي فقدن كل أمل في إيجاد منصب شغل ولم يعدن يكلفن أنفسهن بالتسجيل في مراكز التشغيل. الميل العام نحو فرض نظام العمل الغير رسمي (تحت غطاء المرونة) لديه أشد الآثار تدميرا على النساء. وحتى بدون هذا النظام فإن أغلب النساء محكوم عليهن بالعمل في ظل أشد الظروف فظاعة ومقابل أدنى الأجور. والآن صارت ظروفهن تتحول من سيء إلى أسوء. الانتشار الجامح للعمل المؤقت الجزئي، الذي يزعمون أنه أكثر ملائمة للنساء هو مبرر مثالي لفرض مثل هذه الظروف على الفئة الأشد اضطهادا في المجتمع، وتعترف الإيكونوميست قائلة:
« تشكل النساء في الولايات المتحدة، باقتصادها المزدهر وسوق العمل الضيق فيها، نعمة من عند الله بالنسبة لأرباب العمل. تشغيلهن عادة ما يكلفهم أقل مما يكلفهم تشغيل الرجال، وهن أكثر استعدادا للقبول بالمرونة وأقل ميلا إلى الاعتراض إذا ما كانت ظروف العمل سيئة. وعدد جد قليل منهن عضوات في النقابات. والشيء الوحيد المثير للدهشة إذن هو أن معدلات بطالة النساء الأمريكيات ليست أقل من معدلات بطالة الرجال. (The Economist, 18/7/98)
وتضيف الصحيفة: « العديد منهن يمارسن ما يسميه اقتصاديو سوق العمل بـ "العمل الشاذ"، أي ذلك النوع من العمل الذي يناسب أكثر قطاع الخدمات: العمل الجزئي، المؤقت، المتضمن لساعات العمل الغير منتظمة أو الاستثنائية أو المنجز على أساس العقدة. بعضهن لا يتمتعن بالضمان الاجتماعي وأغلبيتهن يتلقين أجورا هزيلة. لقد أبانت النساء المتلهفات لإيجاد طريقة للمزاوجة بين العمل وبين الأسرة عن كونهن أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع هذه الطريقة الجديدة في العمل من الرجال» (The Economist, 18/7/98.)
يتزايد العمل الجزئي في كل مكان. يشكل هذا النوع من العمل الوظيفة الوحيدة التي في إمكانهن شغلها لأنها تسمح لهن بالمزاوجة بين العمل والأسرة. هذا الأمر يلاءم أرباب العمل إلى حد كبير لأنه يمكنهم من معاملة عمالهم بالطريقة التي تحلو لهم، يضغطون عليهم للقيام بمهام أضخم ويدفعون لهم أجورا زهيدة. هناك تنويعات جديدة من هذا النوع من العمل تظهر إلى الوجود طوال الوقت. آخرها هو العامل "العرضي": الذي هو في الحقيقة عامل ليس من المفترض أن يكون عمله متواصلا. يشتغل مثل هؤلاء العمال في تشكيلة واسعة من القطاعات، يقومون بعمل مؤقت أو عمل على أساس العقدة أو تحت الطلب. في أمريكا، تحدد التقديرات الأخيرة لإدارة التشغيل عددهم بحوالي 5.5 مليون شخص، وأكثر من نصفهم نساء ويؤدون عملا نصف جزئي تقريبا. إنهم يتقاضون أجورا أقل من زملائهم الغير عرضيين، وعادة ما يكونون محرومين من التأمين الصحي أو غيره من الامتيازات الأخرى من طرف مشغليهم.
يطلق على النسخة الألمانية لهذا العمل اسم "العمل البسيط"، ويقدر العديد من الاقتصاديين أنه يتزايد بسرعة فائقة. إن هذا النظام يعتمد على مكسب قانوني يعفي الناس الذين يتقاضون مبلغا أقل من 620 مارك (340 دولار) شهريا من المساهمة في نظام الضمان الاجتماعي الألماني الشامل (والجد باهظ)، لكنه يقصيهم أيضا من الحصول على الحق في التقاعد والتعويض عن البطالة. وتقدر بعض التخمينات عدد الأشخاص الذين يشتغلون في هذه الأعمال "البسيطة" بأكثر من أربعة ملايين، حوالي نصفهم نساء.
تقول الإيكونوميست بخجل: « بسبب مسئولياتهن الأسرية، تقضي النساء عددا أقل من الساعات في ممارسة عملهن المأجور مما هو الحال لدى الرجال. ومن ثم فإن أجرهن الأسبوعي أو السنوي يتخلف أكثر عن أجر الرجال. ثلث جميع النساء العاملات في الإتحاد الأوروبي بمجمله يشتغلن ساعات أقل من المتوسط الأسبوعي البالغ 35 – 40 ساعة، (رغم أن المتوسط يخفي وجود اختلافات هائلة)؛ نسبة العاملين بشكل جزئي بين الرجال ليس سوى حوالي 5 %، وأغلب هؤلاء إما طلبة أو عمال مسنون يتجهون نحو التقاعد. هناك في الولايات المتحدة نسبة أقل من النساء اللائي يعملن بشكل جزئي مما هو الحال في أوروبا، لكن هناك نسبة أكبر من الرجال. الأرقام المسجلة في اليابان تبدو مشابهة للأرقام الأوروبية، إلا أن العديد من النساء اللائي يعملن بشكل جزئي هناك يشتغلن ساعات كاملة تقريبا؛ لكنهن تتقاضين أجورا أقل من العمال الرسميين. لا يزال "العمل الجزئي" يعني غالبا في كل مكان "درجة ثانية".» (The Economist, 18/7/98.)
العمل الإضافي والأسرة
نشرت الإيكونوميست مؤخرا مسحا لوضعية النساء في العمل يقدم صورة رهيبة للإرهاق الذي يصيب الأمريكيين في وقتنا الحالي، ليس فقط العمال أصحاب الياقات الزرقاء بل حتى العمال أصحاب الياقات البيضاء، والتي تخلف بالتأكيد أكثر الآثار تدميرا على الحياة الأسرية والعلاقات الشخصية:
« يبدأ اليوم العادي لدى الأسر التي يشتغل فيها كلا الأبوان (وهي القاعدة التي تسود بين جميع العاملين، ما عدا كبار المدراء التنفيذيين للشركات)، قبل الفجر من أجل تحضير الأطفال لإرسالهم إلى دور الحضانة التابعة للشركة (المدعومة بشكل جيد). بعدها يقضي الأبوان يوم طويلا في العمل قبل أن يأخذوا أطفالهم من دار الحضانة، ويقومان ببعض المشتريات في طريقهما إلى البيت، يعملان على إطعام جميع أفراد الأسرة، يضعان الملابس المتسخة في آلة الغسيل وينظفان الفوضى، يقرآن للأطفال قصة قبل النوم ويتجهان هما أيضا إلى سريرهما، وهما منهكان بالمعنى الدقيق للكلمة. تكون هذه هي الحالة أثناء الأيام التي لم يحدث فيها أي مكروه.»
« وجدت الآنسة هوشايلد أن هؤلاء العمال لا يأخذون إجازة أبوية إلا نادرا، ولا يستفيدون من مرونة ساعات العمل ولا من جميع السياسات الموجهة لخدمة الأسرة. وعوض ذلك يقضون في العمل ساعات أطول، ويغرقون أنفسهم غالبا في كمية كبيرة من العمل الإضافي فوق متوسط ساعات عملهم. أحيانا يكونون في حاجة حقيقية لمداخيل العمل الإضافي، لكنهم في الغالب عندما يواجهون الخيار بين الإجهاد في العمل والإجهاد داخل البيت، يختار كل من الرجال والنساء العمل، حيث يستفيدون على الأقل من العلاقات التي ينسجونها مع زملائهم وحيث يتم التعامل معهم بجدية ويتلقون أجرا مقابل معاناتهم، بينما يشعرون في المنزل بكونهم معزولين ويتم التعامل معهم بلا مبالاة وتسحقهم المطالب التي لا تنتهي. لقد صار العمل هو البيت وصار البيت عملا شاقا!»
وتضيف الصحيفة: « بالتأكيد تحيى أغلبية الأسر الأمريكية التي لديها أطفال في عمر الدراسة الآن نوعا من الحياة مشابهة لهذه التي يصفها الكتاب» The Economist (18/7/98).
بالرغم من ذلك فإن هؤلاء العمال غير راضين عن مصيرهم. أكثر من نصفهم اعتبروا أن مشكلتهم الكبرى هي "قلة الوقت". هذه واحدة من أكثر تناقضات الرأسمالية الحديثة إثارة. ففي الوقت الذي وفرت فيه التطورات التي عرفتها العلوم والتكنولوجيا القاعدة الضرورية لتثوير حياة الناس وتوفير بيئة عمل ملائمة وأسبوع عمل أقصر، فإن ملايين البشر محكوم عليهم بالبؤس والعيش حياة العطالة الإجبارية على الصدقات، بينما يحكم على ملايين الناس الآخرين، "المحظوظين" لأنهم وجدوا عملا، بالأعمال الشاقة والعمل ساعات طويلة ومعانات ضغوط قاسية في أماكن العمل. إنهم محكومون بالتضحية بصحتهم وراحتهم وكذا بحياتهم الأسرية وبالتواصل مع أبنائهم.
تستعمل التطورات التكنولوجية من أجل زيادة عبودية العامل لرب العمل، وتجعل حتى من العاملين بشكل جزئي في المنازل عبيدا ليوم عمل طويل لا ينتهي. لقد مكنت الاختراعات من قبيل الهواتف المحمولة والحواسيب المحمولة وأجهزة الاستدعاء، من ممارسة مستوى غير مسبوق من السيطرة على العامل، حتى عندما ينعدم الإشراف المباشر. ويتوقف الفرق بين مكان العمل وبين المنزل، بين ساعات العمل وبين وقت الراحة، عن أن يكون له أي معنى. لقد صارت دكتاتورية الرأسمال وسيطرته التامة على العمال وعائلاتهم مطلقة. إن السؤال الذي يجب علينا بالتالي أن نطرحه على أنفسنا مع مطلع القرن الواحد والعشرين ليس هو: "هل هناك حياة بعد الموت؟"، بل بالأحرى: "هل هناك حياة قبل الموت؟"
يتبع |
|